حوار حسام حفني.
في خضم الحديث المتصاعد عن وجود "مؤامرة ضد المغرب"تزداد الحاجة إلى قراءة موضوعية وعقلانية تفكك هذا الخطاب بين ما هو واقعي وما هو مبالغ فيه، وبين ما يُدار كصراع مصالح طبيعي في الإقليم وما يُستخدم كأداة سياسية أو إعلامية.
في هذا الحوار، تشرح الدكتورة أميرة عبد العزيز أبعاد هذا الجدل، وتقدّم رؤية تحليلية متوازنة لما يجري في المشهد المغربي والإقليمي والدولي.
كَيف نفهم الحديث عن “مؤامرة ضد المغرب”؟ توصيف دقيق أم مبالغة؟
أقرأ هذا الحديث كـ وصف لرد فعل مُنظَّم أو متفرِّق ضد تقدم مغربي محسوس وليس بالضرورة كمخطط واحد موحد. بمعنى آخر: هناك حملات ومبادرات — دبلوماسية وإعلامية وأمنية — تنبني على مصالح متقاطعة لدى فاعلين مختلفين يسعون للحدّ من أثر المغرب المتصاعد. هذا لا يلغي وجود «مؤامرة» ، لكن الجذر الحقيقي يكمن في تناقض المصالح الإقليمية والدولية تجاه صعودٍ واضح للرباط.
من هم أبرز الأطراف التي قد تملك مصلحة في زعزعة استقرار المغرب أو إبطاء تقدمه؟
أذكرها بحسب الأولوية الاستراتيجية للتهديد: منها دوائر سياسية/أمنية لبعض الدول الإقليمية التي تعتبر تقوية موقع المغرب في المنطقة تهديدًا لمصالحها (العلاقات المتوترة مع الجزائر نموذجاً).
وحركات سياسية أو شبكات مناصرة لقضايا الانفصال (مثل مناصري البوليساريو وبعض شبكات الضغط الدولية) التي تسعى لتقويض المكاسب الدبلوماسية للمملكة
و جهات اقتصادية ودولية منافسة — شركات أو دول قد ترى في طموحات المغرب في الطاقة الخضراء والبنى التحتية منافسًا في الأسواق الإقليمية والدولية.
هل النجاحات الاقتصادية والدبلوماسية للمغرب سبب في تصاعد الحملات ضده؟ وإلى أي مدى؟
نعم — وبصورة مباشرة: كل مكسب دبلوماسي أو اقتصادي يعيد رسم وزن النفوذ الإقليمي ويخلق حافزًا لمن يريد إبطاء هذا الزخم. مثالان واضحان: التحصين الدبلوماسي لقضية الصحراء عبر اعترافات وتسويات سياسية، والمشاريع الكبرى في الطاقة الخضراء (الهيدروجين الأخضر، مشاريع شمسية ورياح) — كل ذلك يجعل المغرب هدفًا استراتيجياً لأطراف ترى في نجاحه مخاطرة لمصالحها. لكن قوة هذه الحملات اليوم محدودة أمام حجم الشراكات والتمويل الدولي الذي بدأ يتجه نحو الرباط.
هل هذا صراع نفوذ شمال إفريقي أم إعادة رسم تحالفات إقليمية؟
هو كلاهما:على مستوى المغرب–الجزائر وملف الصحراء، نتعامل مع صراع نفوذ إقليمي تقليدي واضح و في الوقت نفسه، التحولات الأوسع (تطبيع علاقات، شراكات مع أوروبا وإفريقيا، مشاريع طاقة) تدخل في سياق إعادة رسم تحالفات إقليمية؛ بعض الدول تحاول استغلال هذه المرحلة لتغيير موازين النفوذ.
كيف أقيم دور بعض وسائل الإعلام الأجنبية في تشكيل صورة سلبية عن المغرب؟
دورها مزدوج :تغطية مستقلة ومعقولة تضع ضوءًا على قضاياه الجوهرية — وهي مفيدة للشفافية والمساءلة.
وتغطية انتقائية أو مُشكَّلة بتأثير سياسات أو أجندات خارجية قد تُسوّق سردًا يضرّ بالمصالح المغربية؛ الإعلام الرقمي والمنصات الاجتماعية تضخم هذا التأثير عبر الانتشار السريع للمحتوى. وسائل رقمية ومنصات تضليل متخصصة تُستخدم لتسليط الضوء على القصص التي تخدم أهدافًا سياسية أو اقتصادية.
أدوات “الحرب الناعمة” المستخدمة اليوم — وهل الإعلام الرقمي أحدها؟
نعم، الإعلام الرقمي هو سلاح أساسي، إلى جانب شبكات تضليل ومنصات bots وحسابات مزيفة وحملات إعلامية مركزة على موضوعات حساسة (حقوق، بيئة، استثمارات) ولُعبٌ على مخاوف المستثمرين عبر تقارير واستنساب مخاطر قد تؤثر على التمويل.
هذه الأدوات تعمل بتكامل: تؤثر على الرأي العام، تخلق ضغطًا على صُنّاع القرار والشركاء الاقتصاديين، وتقلّل من سرعة تنفيذ مشاريع استراتيجية إذا لم تُواجه بقوة.
إلى أي مدى نجحت الدبلوماسية المغربية في مواجهة هذه الحملات إقليميًا ودوليًا؟
الدبلوماسية المغربية حققت نتائج مهمة: توسيع وجودها في إفريقيا، تحقيق اعترافات أو مواقف داعمة في محاور دولية، وتنمية شراكات استراتيجية. هذه المكاسب شكلت درعًا دبلوماسيًا حقيقيًا — لكنها لا تعني غياب الحاجة لآليات أسرع للرد على التضليل الإعلامي وتأمين سلاسل التمويل للمشاريع الكبرى. بعبارة أخرى: النجاح واضح، والرد الدبلوماسي فعال لكنه يحتاج إلى أدوات إعلامية ومؤسسية موازية ليكون حاسمًا.
هل يمكن ربط هذه الحملات بالتحولات الاقتصادية الكبرى (مشاريع الطاقات المتجددة، الاستثمارات الإفريقية)؟
نعم، هناك رابط سببي معقول: مشاريع مثل موافقات ضخمة للهيدروجين الأخضر ومخططات تحويلية للاقتصاد تُحوِّل المغرب إلى لاعب مورد واستثماري إقليمي؛ لذلك تعاظم الاهتمام/المقاومة ضدّ هذه المشاريع من جهات ترى فيها تهديدًا لمصالحها أو فرصة للتأثير على أسعار وممرات الطاقة. إنه سباق استراتيجي حول من يهيمن على سلاسل قيمة الطاقة النظيفة في المنطقة.
هل هناك بعد استخباراتي أو اقتصادي خلف الادعاءات بـ”استهداف المغرب”؟
منطقيا نعم هناك قطاعات استخباراتية قد تستخدم أدوات إعلامية واقتصادية لزعزعة ثقة المستثمرين أو لتجميع معلومات تؤثر في قرارات الشركاء. كذلك جهات اقتصادية منافِسة قد تحاول خلق رياح معاكسة أمام مشاريع استراتيجية. هذا لا يعني بالضرورة مؤامرة مركزية موحَّدة، بل شبكة من تدخّلات إقليمية ودولية متقاطعة.
كيف تؤثر هذه الحملات على الأمن القومي واستقرار المنطقة المغاربية؟
بالطبع هناك أثار مباشرة تزيد من حدة التوترات بين الدول (تأثير على حدود، تبادل اتهامات، قيود دبلوماسية وتجارية). وتخفض قدرة المنطقة على التعاون الإقليمي في مجالات حيوية (طاقة، نقل، أمن حدودي)، ما يضعف الأمن الجماعي للمنطقة المغاربية.
ما الخطوات التي يجب على المغرب اتخاذها لحماية مصالحه؟ (تركيز على النجاحات كدرع)
أقترح استراتيجية عملية ومركّزة على تعزيز النجاحات نفسها منها تسريع تنفيذ مشاريع استراتيجية مرئية (مصانع، مرافئ، مشروعات طاقة) تؤكّد أثر الشراكات وتخلق فوائد ملموسة للشركاء الإفريقيين والأوروبيين وتأمين خطوط تمويل مؤسسية للمشاريع الكبرى مع بنوك دولية ومؤسسات تنموية لتقليل تأثير الضغوط الخارجية على التمويل وانشاء جهاز مواجهة رقمي إعلامي محترف (تحقق سريع، سرد بديل قائم على بيانات، حملات عقلانية للتواصل الدولي) لحماية السرد الوطني وتعزيز الثقة بالاستثمارات مع تعميق الشراكات الاقتصادية الإفريقية — مشاريع مشتركة تظهر أن مصالح الرباط مرتبطة بنمو شركاء إقليميين، ما يقلل من فعالية محاولات العزل.
مع العمل الدبلوماسي المكثف لتثبيت الاعترافات وتعزيز نفوذ الرباط في المؤسسات الإقليمية والدولية.
هل تعزيز التحالفات الإفريقية والعربية درع فعّال؟
بالتأكيد: تحالفات اقتصادية ودبلوماسية أقوى مع الدول الإفريقية والعربية تخلق شبكة دعم عملية — ليست مجرد بيانات سياسية — تزيد من تكلفة أي محاولة لعزل المغرب. الشراكات العميقة في الاستثمار والبنية التحتية تجعل أي هجوم على الرباط مكلفًا لمن يفكر فيه. 
كيف يواجه المجتمع المغربي هذه الحملات دون الانزلاق إلى خطاب عدائي:
المجتمع المغربي يواجه هذه الحملات اليوم بردّ محسوب يقوم على الوعي والهدوء الاستراتيجي وليس الانفعال، وذلك لسبب بسيط: المغاربة يدركون أن الهدف من هذه الحملات هو جرّهم إلى خطاب عدائي يُفقدهم قوة الموقف ويشوّه صورة البلاد. لذلك كان الرد في الشارع وعلى المنصات الرقمية وفي الأوساط الفكرية والإعلامية ردًا دفاعيًا عقلانيًا
واختتمت الدكتورة أميرة عبد العزيز حوارها قائلة أرى أن ما يُسمَّى «مؤامرة ضد المغرب» ناتج عن تلاقي مصالح إقليمية ودولية مع قلق حقيقي من موقع المغرب المتصاعد دبلوماسيًا واقتصاديًا — خصوصًا في ملف الصحراء ومشروعات الطاقة الخضراء. أفضل ردّ هو تدعيم النجاحات: مشاريع مرئية، تمويل مؤسسي، دبلوماسية نشطة، ومواجهة رقمية إعلامية مهنية تبني ثقة الشركاء وتقلّص تأثير خصوم الرباط.
لكن المفارقة الأهم هي أن ما جرى خلال هذه الحملات جاء بنتيجة عكسية تمامًا لما كان يُخطط له؛ فبدل إضعاف المغرب أو عزله، أدّى ذلك إلى:
• تقوية الجبهة الداخلية المغربية وإعادة تعبئة الوعي الجماعي حول الثوابت الوطنية.
• كشف مناطق الخلل ونقاط الضعف في أجندات الأطراف المعادية للمغرب إقليميًا ودوليًا.
• تعزيز الالتفاف الوطني حول المشروع التنموي والسيادي للمملكة.
وهذا يثبت أن المغرب اليوم ليس فقط قويًا بمشاريعه وشراكاته وتحالفاته، بل أيضًا بمناعته الداخلية ووحدة موقفه الوطني.

تعليقات
إرسال تعليق