بقلم
أ. د.عصمت رضوان
وكيل كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر الشريف
____________________
إن التعاقب بين الفصول ، واختلافها بين الحرارة والبرودة مظهر من مظاهر قدرة الله عزوجل المعجزة ، وآية من آياته البينة.
وهذا الاختلاف بين الفصول له أهميته على الصحة الجسدية والنفسية للإنسان ، بل إن فصل الصيف رغم حرارة الأجواء فيه إلا أنه يُعد من أفضل فصول السنه على الإطلاق بالنسبة لصحة الإنسان، حيثُ تُشير الدراسات العلمية إلى أن التعرض المباشر لأشعة الشمس يلعب دورًا مهمًا في تنظيم معظم العمليات الحيوية في جسم الإنسان، فيبعث فيه النشاط والقوة والحماسة.
ولذا كان على الإنسان أن يقف مع هذا الصيف وقفة متأمل، ففيه عبرة وعظة ، ودلالة على قدرة الخالق العظيم : ﴿ يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ .
وعليه أن يدرك أن الصيف والشتاء زمانان من الأزمنة التي خلقها الله، وجعل لها صفات تميز بعضها عن بعض، فمنها المكروه ومنها المحبوب، ومنها الخير ومنها الشر، فلا ينبغي له أن يضجر أو أن يسخط من حر الصيف وبرد الشتاء ، فضلا عن سبّهما ، لأنه من الأمور المحرمة ؛ فهما جزء من الزمان ،وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)).
وعلى الإنسان أن يتذكر _إذا وجد حر الصيف _ حر جهنم أعاذنا الله منها ،
فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ". رواه البخاري ومسلم.
والحديث حمله بعضهم على ظاهره، وقال: شكواها حقيقية، وأن شدة الحر من وهج جهنم حقيقة على ما جاء فى الحديث، وأن الله أذن لها بنفسين؛ نفس فى الصيف، ونفس فى الشتاء، وذكر أنه أشد ما يوجد من الحر والبرد؛ وقيل: إنه كلام خرج مخرج التشبيه والتقريب، أى كأنه نار جهنم فى الحرِّ فاحذروه واجتنبوا ضرره، كما قال: شكى إلى جملى طول السرى، وهذا يسمى التعبير بلسان الحال، وكلا الوجهين جائز .
وعلى المسلم أن يستعيذ بالله من حر جهنم في هذا الحر الشديد، عسى أن يجيره الله تعالى منه ،ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمٌ حَارٌّ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَشَدَّ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي اسْتَجَارَ بِي مِنْ حَرِّكِ فَاشْهَدِي أَنِّي أَجَرْتُهُ ... الحديث ).
وعليه أن يقارن بين حر الصيف وحر النار ، ليجد أن جهنم أشد حرا : (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) ( التوبة ٨١ )، فإذا عرف ذلك اجتنبها بالبعد عن المعاصي المؤدية إليها.
وقد ورد أن بعض الصالحين صب على رأسه ماءً من الحمام فوجده شديد الحرارة، فبكى، وقال: ذكرت قوله تعالى: ﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ (الحج: ١٩).
وعليه أن يتذكر ضعفه أمام قدرة الله عزوجل، فالإنسان ضعيف يؤذيه قليل الحر ويسير البرد.
ومما ينسب إلى الإمام الشافعي رضوان الله عليه:
جسمي على البرد ليس يقوى ..
ولا على شدة الحرارة ! ..
فكيف يقوى على حميم ..
وقودها الناس والحجارة ؟
وحر الصيف يذكرنا بحر يوم القيامة ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة، وفيه تدنو الشمس من رءوس الخلائق، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث الْمِقْدَادُ بن الْأَسْوَد رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ"، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ - وهو التابعي الذي روى الحديث عن المقداد بن الأسود_ : فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ أَمْ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، قَالَ: "فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ - أي خاصرتيه -، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا "، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ ."
نسأل الله تعالى السلامة.
وحر الصيف تتعلق به بعض الأحكام الشرعية ، ومنها الإبراد بصلاة الظهر، وهي من الرخص المستحب الأخذ بها في شدة حر الصيف، ومعنى الإبراد بصلاة الظهر تأخيرها إلى وقت الإبراد، حينما تنكسر شدة الحر، وذلك آخر الوقت قريبًا من وقت العصر، بحيث يذهب المصلي إلى المسجد في ظل البيوت، حتى لا يتعرض للشمس؛ لما ورد من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبرِدْ))، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة))؛ رواه البخاري ومسلم.
ويستحب في حر الصيف النوم المبكر للتمكن من القيام لصلاة الفجر؛ فإن قِصرَ الليل مع تعوُّد السهر يترتب عليه غلبة النوم عن صلاة الفجر، وذلك أمرُ محرَّم فيجب التنبه لذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها.
ويستحب في شدة الحر سقي الماء وبذله للمارة ، وهو من أفضل أنواع الصدقة ، ومن أعظمها ثوابا، فقد روى الإمام أحمد من حديث سعد بن عبادةأن أمه ماتت فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأتصدق عنها؟ قال: (نعم)، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: (سقي الماء).
ويقول ابن بطال رحمه الله تعالى: (سقي الماء من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقد قال بعض التابعين: مَن كثرت ذنوبه، فعليه بسقي الماء، وإذا غُفرت ذنوب الذي سقى الكلب، فما ظنكم بمن سقى رجلًا مؤمنًا موحدًا، أو أحياه بذلك؟!).
ولا يقتصر ثواب سقي الماء صيفا على بذله للإنسان ، بل للحيوان والطير كذلك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا»
رواه مسلم في بَابُ فَضْلِ سَاقِي الْبَهَائِمِ الْمُحْتَرَمَةِ وَإِطْعَامِهَا.
ومن أكثر الأعمال ثوابا في حر الصيف صيام التطوع. وفي وصية عمر بن الخطاب ﻻبنه عبدالله رضي الله عنهما، عند موته، قال: عليك بخصال الإيمان، وذكر أن من خصال اﻹيمان: الصوم في الصيف.
وقيل لإحدى نساء السلف: إنك تعمدين إلى أشد اﻷيام حرارة فتصومينها؟! فقالت: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد.
ويستحب للمسلم الحرص على النظافة الشخصية في فصل الصيف بكثرة الوضوء والاستحمام ، وبخاصة من يخالط الناس ، ويحرص على الصلاة في المسجد ، لأن حرارة الصيف تؤدي إلى التعرق، والعرق - مع عدم الاغتسال - يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة من الجسم، تؤذي من حوله ، والمسلم طيب في خلقه ، طيب في سلوكه ، طيب في رائحته.
والحمد لله أولا وآخرا
.
الفجر العربى

تعليقات
إرسال تعليق