بقلم: سحر مهني
لم تكن الانفجارات التي هزت كاراكاس فجر السبت مجرد عملية عسكرية "جراحية" لاعتقال مطلوب دولي، بل كانت ذروة انفجار صراع جيوسياسي وأيديولوجي تراكم على مدار سنوات. ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجاح قوات "دلتا فورس" في اعتقال نيكولاس مادورو، يبرز السؤال الجوهري: هل سقط مادورو بسبب "الكوكايين" كما تدعي واشنطن، أم بسبب مواقفه الصارخة ضد إسرائيل وتضامنه مع غزة؟
الرواية الأمريكية: محاربة "دولة المخدرات"
تتمسك واشنطن بالغطاء "القانوني والجنائي" لتبرير الهجوم. فمنذ تولي ترامب ولايته الثانية في يناير 2025، وضع فنزويلا نصب عينيه تحت شعار "عقيدة مونرو المتجددة" (طرد النفوذ الأجنبي من القارة الأمريكية).
الدوافع الأمريكية المعلنة تشمل:
تُهم "الإرهاب المخدّر": تتهم واشنطن مادورو بقيادة "كارتل الشمس" (Cartel de los Soles)، وتزعم أن نظامه استخدم تجارة المخدرات كسلاح لإغراق المدن الأمريكية وتدمير مجتمعاتها.
التهديد الأمني الإقليمي: ترى إدارة ترامب أن بقاء مادورو سمح بتعاظم نفوذ الصين وروسيا وإيران في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة.
أزمة الهجرة: تعتبر واشنطن أن الانهيار الاقتصادي في فنزويلا هو المحرك الرئيسي لتدفق ملايين المهاجرين نحو الحدود الأمريكية، وهو ملف يمثل أولوية قصوى لترامب.
غزة وفلسطين: القشة التي قصمت ظهر البعير؟
لا يمكن قراءة الهجوم الأمريكي بمعزل عن المواقف الراديكالية التي اتخذها مادورو تجاه الشرق الأوسط. فقد كانت فنزويلا، طوال عام 2025، الصوت الأكثر حدة في أمريكا اللاتينية تضامناً مع قطاع غزة وتنديداً بالسياسات الإسرائيلية.
نقاط التصادم الأيديولوجي:
المطالبة بمحاكمة إسرائيل: كانت كاراكاس من أوائل الدول التي طالبت المحكمة الجنائية الدولية بالتحرك العاجل ضد قادة إسرائيل بتهم ارتكاب "إبادة جماعية" في غزة.
العداء لـ "الصهيونية الإمبريالية": لطالما وصف مادورو التحالف الأمريكي-الإسرائيلي بأنه "تحالف شيطاني" يستهدف الشعوب الحرة، وهو خطاب يثير حنق واشنطن، خاصة في ظل تقارب ترامب الوثيق مع حكومة نتنياهو.
التحالف مع إيران: ترى واشنطن أن تضامن فنزويلا مع فلسطين هو غطاء لتعاون عسكري واستخباراتي أعمق مع طهران، مما يجعل من فنزويلا "قاعدة متقدمة" لمحور المقاومة في قلب القارة الأمريكية.
الخلاصة: "عدالة" أم تصفية حسابات؟
بينما يرى مؤيدو ترامب أن اعتقال مادورو هو "انتصار للعدالة وتخليص للشعب الفنزويلي من دكتاتور"، يرى أنصار كاراكاس والعديد من القوى اليسارية في العالم أن ما جرى هو "عملية قرصنة إمبريالية" تهدف لمعاقبة فنزويلا على مواقفها السيادية وتحديها للهيمنة الأمريكية، خاصة في ملف القضية الفلسطينية.
لقد اختار ترامب "لغة القوة" لينهي ملفاً استعصى على واشنطن لعقدين، تاركاً المنطقة أمام تساؤلات صعبة: هل ستؤدي هذه الضربة إلى استقرار فنزويلا، أم أنها ستشعل نار "المقاومة الوطنية" ضد ما يصفه الفنزويليون بـ "الاحتلال الأمريكي"؟

تعليقات
إرسال تعليق