كتبت سحر مهني
بعد مرور ستة وستين عاما على بدء بناء هذا الصرح التاريخي العظيم بدأت الدولة المصرية خطوات فعلية وتكنولوجية متقدمة لحماية السد العالي عبر إطلاق ما وصفه الخبراء بمنظومة الجيل الثاني اثنان فاصلة صفر بهدف تعزيز صمود هذه المنشأة الاستراتيجية في وجه التحديات المائية المتصاعدة وتأتي هذه الخطوة المصرية الجريئة ردا مباشرا على حالة التعنت التي تبديها إثيوبيا في ملف سد النهضة واستمرارها في اتخاذ إجراءات أحادية تضر بمصالح دولتي المصب مما دفع القاهرة إلى استنفار كافة قدراتها الهندسية والتقنية لضمان استمرارية عمل السد العالي بكفاءة قصوى وتأمين احتياجات الشعب المصري من المياه والكهرباء تحت أي ظرف من ظروف الجفاف الطبيعي أو المصطنع الذي قد تفرضه سياسات أديس أبابا
وتعتمد رؤية الجيل الثاني لتطوير السد العالي على تحديث شامل لأنظمة المراقبة والتحكم الرقمي ورفع كفاءة توربينات توليد الطاقة بالإضافة إلى تحسين قدرات إدارة المخزون المائي ببحيرة ناصر باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي للتنبؤ الدقيق بحجم الفيضانات وإدارة فترات الجفاف الممتدة وتؤكد المصادر الرسمية أن مصر تستند بشكل أساسي إلى السد العالي باعتباره خط الدفاع الأول والوحيد في توفير المياه اللازمة لكافة الأنشطة الزراعية والصناعية ومياه الشرب ومن هنا جاء القرار السيادي بتطوير المنظومة لتصبح أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات المائية الناتجة عن ملء وتشغيل السدود على أعالي النيل الأزرق مما يبعث برسالة طمأنة للداخل المصري ورسالة حزم للخارج بأن الأمن المائي خط أحمر لا يمكن تجاوزه
وفي سياق التفاعلات الدولية يبرز ملف مياه النيل كأحد القضايا الحيوية التي تتابعها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باهتمام بالغ خاصة مع توجه واشنطن منذ مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين نحو تعزيز الاستقرار في منطقة حوض النيل ومنع انزلاق القارة الأفريقية نحو نزاعات مائية مدمرة وتنظر الإدارة الأمريكية إلى الخطوات المصرية لتطوير السد العالي كحق سيادي مشروع لحماية الموارد الوطنية مع استمرار الضغط الدبلوماسي للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق الجميع ومن المتوقع أن تساهم منظومة الجيل الثاني في تقليل الفواقد المائية وزيادة القدرة الإنتاجية للطاقة النظيفة مما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة ويرسخ من دور السد العالي كأهم منشأة مائية في العالم قادرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية والمناخية المتسارعة
واختتم الخبراء الفنيون تقييمهم للمشروع بالتأكيد على أن مصر لم تكتف بالمسار الدبلوماسي بل سلكت مسارا تقنيا وعسكريا متوازيا لضمان حماية منشآتها المائية الحيوية حيث تشمل منظومة التطوير أيضا تأمين المنشأة ضد أي تهديدات غير نمطية وتحديث أنظمة الدفاع الجوي والسيبراني المحيطة بالسد لضمان استمراره في أداء دوره التاريخي لقرون قادمة وأشار الخبراء إلى أن السد العالي في نسخته الجديدة سيمثل نموذجا عالميا في إدارة الأزمات المائية وتحدي الصعاب التي تفرضها جغرافيا النيل المتقلبة مؤكدين أن إرادة البناء التي شيدت السد في ستينيات القرن الماضي هي ذاتها التي تحميه وتطوره اليوم في عام ألفين وستة وعشرين لمواجهة كافة أشكال التعنت والتهديدات التي تستهدف شريان الحياة الوحيد للمصريين

تعليقات
إرسال تعليق