بعد ثورتين شعبيتين غيّرتا مسار التاريخ المصري الحديث، وقدّم خلالهما أبناء الوطن من الشرطة والجيش أرواحهم فداءً لاستقرار الدولة وبقائها، لا تزال مصر تخوض معركة الوعي والحفاظ على مكتسبات الدولة الوطنية في مواجهة محاولات مستمرة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. تلك المحاولات التي تتخذ أشكالًا متعددة وتتحرك عبر أدوات مختلفة، ظاهرها العمل السياسي وباطنها السعي لهدم ما تبقى من استقرار، مستغلة الأزمات الاقتصادية والتحديات الإقليمية والدولية.
لا يمكن قراءة المشهد السياسي الحالي بمعزل عن تاريخ الحزب الوطني المنحل، الذي لفظه الشارع المصري في ثورة يناير بعدما ارتبط اسمه بالفساد وتغوّل السلطة واحتكار السياسة. إلا أن ما يثير القلق اليوم هو عودة كثير من رموزه إلى المشهد العام عبر بوابات جديدة، وأسماء حزبية مختلفة، وأدوات مالية وإعلامية قادرة على إعادة إنتاج النفوذ القديم في ثوب معاصر. هذه العودة لا تقوم على برامج حقيقية أو رؤى وطنية، بل تعتمد على المال السياسي، وشراء الولاءات، ومحاولات السيطرة على المشهد الحزبي والبرلماني، وهو ما يخلق حالة من الاحتقان وغليان الشارع.
هذا الغليان لا ينشأ من فراغ، بل يتغذى على ضغوط معيشية حقيقية يعاني منها المواطن، وعلى خطاب متعمد يسعى لتضخيم الإخفاقات وتجاهل التحديات العالمية التي أثرت على اقتصادات دول كبرى، فضلًا عن تجاهل الجهود التي تبذلها الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لعبور هذه المرحلة المعقدة. فمنذ توليه المسؤولية، والرئيس يتحرك في مسارات متوازية لإعادة بناء الدولة من الداخل، بدءًا من مواجهة الإرهاب، مرورًا بإصلاح البنية التحتية، ووصولًا إلى مشروعات قومية كبرى تهدف إلى خلق فرص عمل وتأسيس اقتصاد أكثر صلابة على المدى الطويل.
لكن في المقابل، هناك قوى لا تريد لهذا المسار أن يكتمل. قوى اعتادت العمل في الظل، وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على الدولة، مستفيدة من أي أزمة أو حالة استياء شعبي. هؤلاء الذين يُطلق عليهم اصطلاحًا أهل الشر لا يملكون مشروعًا وطنيًا بقدر ما يملكون قدرة على التخريب وبث الفوضى، وإعادة إنتاج شعارات ما قبل عام 2011 دون الاعتراف بأن غياب الدولة آنذاك كان ثمنه باهظًا دفعه الجميع.
المشهد الأخطر يتمثل في التقاء المصالح بين بقايا النظام القديم وبعض القوى الانتهازية التي ترى في الفوضى طريقًا مختصرًا للعودة إلى النفوذ. هذا التحالف غير المعلن يهدد بتقويض أي محاولة لبناء حياة سياسية صحية تقوم على التعددية الحقيقية والتنافس الشريف. فبدلًا من أن تكون الأحزاب أدوات لتأطير الشارع وتقديم حلول واقعية، تتحول إلى منصات لتصفية الحسابات أو إعادة تدوير الوجوه ذاتها التي ثار عليها الشعب.
وسط هذا التعقيد، يظل الرهان الحقيقي على وعي المجتمع، وعلى دور مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القانون. فالدولة القوية لا تُدار بردود الفعل، بل بسيادة القانون على الجميع دون استثناء، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إفساد الحياة السياسية أو استخدام المال المشبوه لشراء النفوذ. القانون هو صمام الأمان القادر على إطفاء النيران التي ما زالت تحت الرماد قبل أن تتحول إلى حرائق تهدد استقرار الوطن.
إن حماية الدولة المصرية اليوم لا تعني فقط الدفاع عنها أمنيًا، بل تتطلب معركة وعي حقيقية، تفرّق بين النقد البناء ومحاولات الهدم، وبين المعارضة الوطنية والتخريب المتعمد. كما تتطلب إصلاحًا سياسيًا تدريجيًا يفتح المجال أمام كوادر جديدة نظيفة اليد، قادرة على تمثيل الناس والتعبير عن همومهم دون ارتهان للمال أو المصالح الضيقة.
في النهاية، مصر التي دفعت ثمنًا غاليًا من دماء أبنائها لن تسمح بالعودة إلى مربع الفوضى. قد تتعثر الخطوات، وقد تشتد الأزمات، لكن بقاء الدولة واستقرارها يظل أولوية لا تقبل المساومة. وبين نار الأزمات ومؤامرات المتربصين، يبقى القانون هو المخرج الوحيد، والوعي هو السلاح الأهم، حتى تصل البلاد إلى شاطئ الأمان الذي يستحقه هذا الوطن.

تعليقات
إرسال تعليق