وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون

وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون
وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون

وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون

من أعظم أسباب النّجاح والفلاح في الدّنيا والآخرة، أن يكون العبد المؤمن دائم التّأنيب والمراجعة لنفسه، يتصيّد عثراتها ويتلمّس نقائصها، يلومها ويؤنّبها، يعظها ويذكّرها، ينذرها ويزجرها، ويسعى جاهدا ليقوّم اعوجاجها. لا يغفل عنها ولا يحسن بها الظنّ، ومهما بدا له من صلاحها فإنّ ذلك لا يحجب عنه مواطن النّقص والخلل فيها. يخشى عليها الفتن ويخاف من سطوتها وطغيانها، ويحاسبها ويُعدّها للحساب، حتى إذا لقي الله، وكان يوم الحساب، أبدله الله بخوفه أمنا وبكثرة محاسبته لنفسه في الدّنيا مغفرة وعفوا وغفرانا في الآخرة.

ومن أعظم أسباب الخسران في الدّنيا والآخرة، أن يركن الإنسان إلى نفسه ويطمئنّ لحالها وينقاد لأهوائها، ويغفل عن محاسبتها، ويأنس لأمانيها الكاذبة، حتى إذا لقي الله وعُرض للحساب، وجدا ما لم يكن يتوقّعه.. ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)).. إنّها الخسارة التي ما بعدها خسارة، عندما يحسن العبد الظنّ بنفسه ويطمئنّ إلى سعيه، وفي آخر لحظات حياته ويوم القيامة يجد أمرا آخر غير ما كان يظنّ وينتظر ويتوقّع.


((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون)).. إنّهم أناس كان الواحد منهم يعصي الله ويقول: لا بأس هذه صغيرة والله غفور رحيم.. يعصي الله ويصرّ على معصيته ولا يتوب ولا يفكّر في التّوبة.. ينظر إلى من هو أكثر منه عصيانا ولا ينظر إلى عظمة من يعصي.. يدخّن ويقول: صغيرة.. يتتبّع بعينه ولسانه العورات ويقول: صغيرة.. لا يصلّي إلاّ في الصفّ الأخير وربّما يصلّي الصّلاة في آخر وقتها ويقول: أنا أحسن حالا من أولئك الذين لا يصلّون.. لا يأتي الجمعة إلاّ بعد الأذان الثاني ويحسن الظنّ بنفسه ويظنّ أنّه على خير كثير.. يدخل المسجد ورائحة الدخان تنبعث من فمه وهو يقول لا بأس هذه صغيرة.. لا يرعى للمسجد حرمة ويظنّ أنّه على خير.. المؤمنة ترسل شعرات من تحت خمارها وتخرج متعطّرة وتقول: أنا خير من المتبرّجات.. تضاحك زميلها في الدّراسة أو في العمل وتظنّ أنّها ما فعلت شيئا.. صغائر ومحقّرات لا يعبأ بها صاحبها ويستهين بأمرها ولا يتوب منها، فيجد نفسه يوم القيامة أمام أكوام من صحائف الأوزار.. ((وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون))، أحاط بهم ما كانوا يحتقرون من صغائر الذنوب.

((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون)).. كان الواحد منهم يصلّي ويصوم ويتصدّق وينصح، ولكنّه كان يصلّي حياءً من النّاس وهروبا من لومهم وعتابهم، ويصوم ليقال عنه إنّه صوّام، ويتصدّق ليقال إنّه سخيّ، وينصح ليقال هذا ناصح تقيّ، يطأطئ طأطأة الخاشعين ويتكلّم كلام المتّقين.. ولكنّه ما تكاد تخلص له نيّة أبدا، يظنّ بنفسه خيرا ويظنّ النّاس به خيرا، لكنّه يوم الحسرات يقال له اذهب إلى من كنت تعمل لأجلهم ليجازوك بأعمالك. كان سفيان الثوري- رحمه الله- يقول: “ويلٌ لأهل الرياء من قول الله: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون))”.

((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون)).. كان الواحد منهم يصلي في بيت الله ويصوم ويتصدّق ويحجّ ويعتمر، ولكنّه كان يظلم النّاس من حوله؛ ظلم أخاه وجحد حقّه.. ظلم أخواته وجحد ميراثهنّ.. ظلم جاره وأخذ من أرضه.. استغلّ ماله ودفع الرشاوى ليكسب الدّعاوى في المحاكم.. يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة من صلاته وصيامه وحجّه، ولكنّ مَن ظلمهم يحيطون به، فهذا يأخذ من حسناته، وهذا يأخذ من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته ألقوا عليه سيئاتهم فهلك حيث كان ينتظر أن تنجيه صلاته وصومه وحجّه.

((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون)).. كان الواحد منهم يعمل الأعمال الصالحة بين النّاس، ولكنّه إذا خلا بنفسه يعصي الله وينسى اطّلاعه عليه ويجعله أهون النّاظرين إليه.. يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال من صلاته وصومه وصدقاته، ولكنّ الله يجعلها هباءً منثورا، يقول نبيّ الهدى صلى الله عليه وآله وسلّم: “إنّ من أمّتي من يجيء يوم القيامة بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباء منثوراً، أما إنّهم قومٌ من بني جلدتكم ويتكلمون بألسنتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنّهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها”.

((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون)).. كانوا يصلون ويصومون، ولكنّ الواحد منهم كان لا يبالي من أين أخذ ماله، من حلال أم من حرام، المهمّ أن يجمع المال ويستكثر منه ويباهي به ويشتري ما يريد؛ يجعل الله أعماله هباءً منثورا، ويلقى من الله ما لم يكن يحتسب، فأيّما لحم نبت من حرام فالنّار أولى به.

الحذر الحذر أخي المؤمن أن تكون من هؤلاء الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.. أحسِن العمل وتعلّق برحمة الله، وإياك أن يغرّك الشّيطان فتتعلّق برحمة الله وأنت مقيم ومصرّ على المعاصي والذّنوب. تفقّد الإيمان في قلبك، فإنّ الإيمان يخلَق ويبلى كما يبلى الثّوب، إذا لم يتعاهده صاحبه، وربّما يخرج من قلبك إلى غير رجعة، ويقذف النفاق في قلبك وأنت لا تشعر.. خَفِ النفاق واحذره على قلبك، فإنّه فيروس يتسلّل إلى القلوب على حين غفلة من أصحابها، ومن لم يخفه على قلبه بُلي بشيء منه.. لا تغترّ بأعمالك الصّالحة مهما كثرت، ولْيكن همّك أن تكون مقبولة عند الله، واحذر محبطات الأعمال، قال ابن عون رحمه الله: “لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري هل كُفِّرت عنك أم لا؟ لأن عملك مُغيَّب عنك كلّه لا تدري ما الله صانع به”.. راجع نيّتك من حين إلى آخر، فربّما تكون مرائيا وأنت غافل عن نفسك.. إياك ومحقّرات الذنوب، لا تنظر إلى صغر المعصية في أعين النّاس ولكن انظر دائما إلى عظمة من تعصي.. راجع نفسك وفتّش في قلبك من حين إلى آخر، وانظر هل تجد في قلبك غيرة لحدود الله وهي تنتهك؟ هل تجد في قلبك حسرة لما آلت إليه أحوال المسلمين؟ إن كنت تجد ذلك فاحمد الله، وإلا فراجع نفسك وأصلح قلبك وحالك، وادعُ الله بحرقة أن يعينك على نفسك ويثبّت فؤادك ولا يفتنك في دينك.

تعليقات