نعم، لقد جاوز الظالمون المدى، حتى لم يعد في القوس منزع، ولم يعد الصبر ممكناً في مواجهة هذا الطوفان من العدوان الذي تتعرض له منطقتنا العربية، وعلى رأسه القضية المركزية: فلسطين. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد احتلال غاشم ينهب الأرض ويهجر أهلها، بل هو حرب وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هدفها محو الهوية العربية وتغيير معالم المنطقة برمتها.
الكيان الصهيوني لم يكن في أي وقتٍ قادراً على الاستمرار في جرائمه لولا الدعم الغربي غير المحدود، وعلى رأسه الدعم الأمريكي السافر. الولايات المتحدة لم تكتفِ بتوفير الغطاء السياسي في المحافل الدولية، بل قدمت السلاح والمال والتكنولوجيا، وحولت الكيان المحتل إلى رأس حربة ينفذ مشروعها في قلب المنطقة. ولعل الأدهى أن مليارات الدولارات العربية صُرفت – من دول مثل السعودية وقطر – ليس لبناء قوة عربية ذاتية، بل لضمان "الحماية الأمريكية" المزعومة، عبر شراء الأسلحة أو استضافة القواعد العسكرية التي لم ولن تردع عدواً، ولم تحمِ أصحابها يوماً من الخطر الحقيقي الذي يتهددهم.
لقد دعت مصر منذ عقود إلى إنشاء جيش عربي موحد، جيش يحمي المصير المشترك، ويقف سداً منيعاً أمام كل من تسول له نفسه المساس بأرض العرب وكرامتهم. لكن الدعوة ذهبت أدراج الرياح، لأن البعض اكتفى ببيانات الشجب والإدانة، وآخرون اكتفوا بوعود "الحماية الأجنبية". والنتيجة أن العدو استقوى، وتمدد، وتمادى في بطشه، بينما غاب الردع العربي الحقيقي.
التاريخ يعلمنا أن من لا يملك قوة ذاتية، لن يحترمه الآخرون. فمنذ نكبة 1948 وحتى اليوم، كانت المعادلة واضحة: العدو يخطط وينفذ بدعم حلفائه، والعرب يكتفون بالتصريحات الرنانة والقمم المكررة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وعندما تُطرح مبادرات واقعية لبناء قوة عربية مشتركة، تتغلب المصالح الضيقة والأنانيات السياسية على أي رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
إن العالم اليوم يعيد تشكيل خرائطه وتحالفاته، والأمة العربية في خطر حقيقي. إن لم نستفق الآن، ونبني قدراتنا بأيدينا، فإننا سنظل رهائن للآخرين، ندفع لهم أموالنا ليحموا عروشاً لن يحموا أصحابها ساعة الخطر. إن الأمن القومي لا يُشترى بالدولار، ولا يُستورد من واشنطن أو غيرها، بل يُصنع في ميادين التدريب والمعركة، ويُبنى على إرادة سياسية حقيقية ترى في وحدة المصير قدراً لا خياراً.
إننا في زمنٍ لا مكان فيه للضعفاء، ومن لا يملك القوة يُستباح. ولذلك فإن صرخة اليوم هي نفسها صرخة الأمس:
"أخي، ولقد جاوز الظالمون المدى، فحق الجهاد وحق الفدا."

تعليقات
إرسال تعليق