لقد كان تصدّرُ مصرِ للمشهدِ العربي على مدارِ عقودٍ سببًا في كثيرٍ من أزماتٍ ومآسي، لأنّها كثيرًا ما غنّت منفردةً لحنَ الأمةِ فوجدتُها وحيدةً حين اشتدّتِ الضربات. ومن هذا المنطلق أوجز هنا وقائعَ وتاريخًا قد يُعيدُ التفكيرَ في دعواتِ بعضِ الأطرافِ اليوم لـ«حربٍ بالنيابة» تتحمّل مصرُ تبعاتها وحدها.
أولًا: هزيمةُ 1967 لم تكن نكسةً مجردةً من عِندِ الإسرائيليين وحدهم. صحيحٌ أنَّ العدوّ الإسرائيلي شنّ ضربته، لكنّ المتابع للتفاصيل يعرف دورَ قواعدٍ أجنبيةٍ وإجراءاتَ إقليميةٍ أدّت إلى تكوينِ أكبر بنكٍ من الأهدافِ في العمقِ المصري. فقد خرجت من قاعدةٍ في ليبيا طائراتٌ ضربت مطاراتٍ غربيةً في صباح 5 يونيو 1967، وأدى ذلك إلى انهيارِ قدرةِ سلاحِ الجوّ المصري. قال الرئيس جمال عبد الناصر في خطابِ التنحي إنّ الطائراتَ أتت من الغرب لا من الشرق — عبارةٌ تنطوي على إنذارٍ خطير عن مشاركة أطرافٍ غير متوقعة.
ثانيًا: العلاقاتُ العربيةُ آنذاك لم تكن دائمًا تحالفاتٍ وثيقةً وراءَ مصر؛ بل شهدت مواقفٍ وقراراتٍ ساهمت في إضعاف مشروعِ الوحدة والجيشِ العربيِ المشترك. في منتصفِ الستينيات، حدثت تسريباتٌ وممارساتٌ أدّت إلى وقوعِ معلوماتٍ حسّاسةٍ في أيدي أطرافٍ معاديةٍ، كما دفعت بعضُ الدولِ مبالغَ طائلةً لجهاتٍ خارجيةٍ لتشكيلِ توازنٍ في المنطقة على حسابِ المشروعِ المصري. هذه الوقائع لم تُقَلّلْ من خطورةِ الخداعِ أو من أثرِ الانقسامِ الداخلي على مصيرِ القضايا القومية.
ثالثًا: تجربةٌ تاريخيةٌ كهذه تُعلّمُنا درسًا واضحًا: لا تُثِقوا بدعواتٍ تعبّرُ عن نيةٍ «الاستعانةِ بمصر» أو تحميلِها تبعاتِ حروبٍ ليست لمصلحتها وحدها، بينما هناك من يحتضن قواعدَ عسكريةً أجنبيةً على أراضيه تهدّد أمنَ مصر من كل جهة. اليوم — كما في الماضي — توجد قواعدٌ عسكريةٌ أجنبيةٌ تحيط بالمنطقة؛ وسؤالُنا البسيط: كم قاعدةً يحتضنها بعضُ «الأعراب» اليوم لتهديدِ مصر؟ وما جدوى دعواتِ الدخولِ في حروبٍ بالنيابةِ عن أطرافٍ لا تقاسمُنا الولاءَ أو المصالحَ الحقيقية؟
رابعًا: التاريخُ لا يُمحى، ومن الصعبِ أن ننسى أنَّ ثورةَ سبتمبر 1969 بقيادة معمر القذافي أدّت إلى إزالةِ قاعدةٍ أجنبيةٍ من ليبيا، وهو ما سهّلَ على مصرَ لاحقًا خوضَ حربِ أكتوبر 1973 واستعادةِ جزءٍ من كرامتها ومكانتها. فكلّما اتّسمتِ المنطقةُ بالقِوةِ الذاتيةِ والوحدةِ قلّت فرصُ التدخّلاتِ الخارجيةِ والابتزازِ بالسياساتِ الأمنية.
دعوتي واضحة: إذا كنّا فعلاً نريدُ لمصرَ موقعًا قياديًا يُحترم، فلا بدّ من وعيٍ جماعيٍّ يميّز بين الحبّ الوطني والدعواتِ الانفعاليةِ التي قد تُغرقُنا في حروبٍ لا نتحكّمُ في نتائجها أو في ثمنها. مصرُ ليست مطيةً تُستغلّ، ولا سريا للآخرين ليثبتوا صوابيةَ قراراتهم على حسابِ دمائنا وأراضينا.
وفي الختام أطلبُ من الشعوبِ العربيةِ التي تحملُ على لسانِها حبَّ مصر أن تسألَ نفسها قبلَ أن تدعوها إلى حربٍ بالنيابة: هل ستشاركونَ معنا في الدمِ والجهدِ والتضحياتِ؟ أم أنّ دعوتكم مجردُ صرخةٍ تُروّجُ لأطماعٍ ومصالحَ لا تنسجمُ مع صمودِنا الوطني؟ تاريخُنا مليءٌ بالدروسِ، وأكبرُ درسٍ أنَّ القوةَ الحقيقيةَ تأتي من الوقوفِ جنبًا إلى جنبٍ مع مصر لا من استغلالِها.

تعليقات
إرسال تعليق