بقلم: سحر مهني
في معظم دول العالم الثالث، لا تسير العدالة على قدم القانون في البصرة، بل تُساق كما تُساق القطعان نحو مذابح التسلط. هناك، لا قيمة لقاضٍ نزيه إذا اصطدمت نزاهته بجدار النفوذ، ولا مكان لقانون لا يتماشى مع مزاج السلطة.
قضية بان زياد طارق ليست مجرد خبر عابر، ولا حادثة انتحار كما ورد في البيان الرسمي المقتضب. بل هي امتحان صارخ لفكرة العدالة نفسها، اختبار لمؤسسات الدولة، وتجربة مريرة لضمير المجتمعات التي ما زالت تؤمن أن هناك شيئًا اسمه حق.
لكن، سقط الضمير.
ما حدث مع بان لم يكن إلا فصلًا جديدًا في رواية طويلة من التواطؤ، حيث تمارس السلطة دور القاضي والجلاد، ثم تقف بكل وقاحة لتكتب بيان الوفاة.
من الذي قتل؟
هل كانت بان ضحية ابتزاز؟ تهديد؟ تصفية؟ أم أنها عرفت أكثر مما ينبغي؟
أسئلة كثيرة تطرحها القضية، لكن الإجابات التي خرجت من مؤسسات الدولة لم تكن سوى صدى لصوت واحد: صوت المتسلطين.
كل المؤشرات كانت تفضح التناقض، لكن بدلاً من فتح تحقيق حقيقي، سارع الإعلام الرسمي إلى دفن الأسئلة، ودفن مع بان كل ما تبقّى من الأمل في عدالة نزيهة.
شهادة الانتحار... بأمر السلطة العراقية
حين يُكتب التقرير الطبي قبل تشريح الجثة، وحين تُقفل القضية قبل أن تُفتح، نعرف تمامًا أن هناك من قرر النهاية مسبقًا.
شهادة الوفاة لم تكن وثيقة طبية، بل كانت وثيقة سياسية، كتبها من لا يريد للحقيقة أن ترى النور.
الرأي العام ليس في الامتحان... العدالة هي التي سقطت
اللافت في قضية بان زياد طارق، أن الرأي العام لم يقف صامتًا. الناس تساءلت، ناقشت، استغربت، واتهمت. لكن الصوت الأعلى كان للسلطة، صوت أقوى من الحقيقة، ومن المنطق، ومن الحق.
هذا يعني شيئًا واحدًا: أننا لم نصل بعد إلى مرحلة تكون فيها العدالة أقوى من النفوذ.
إلى من يهمّه الأمر: السلطة ليست أبدية... لكن الذاكرة كذلك
ربما تنجح السلطة في قمع القضايا، وفي طمس معالم الجريمة، وربما تُغلق الملفات رسميًا.
لكن ما لا تدركه هو أن الشعوب لا تنسى، وأن لكل قضية مثل قضية بان، هناك آلاف العيون تراقب، وآلاف الأقلام تستعد للكتابة، وأن السلطة ليست أبدية، لكن الذاكرة كذلك.
وأخيرًا...
إذا كنت تبحث عن العدل، فلن تجده على موائد الحكام في العراق بل في عيون المظلومين، وصرخات الغاضبين.
وإذا أردت أن تعرف خبايا السلطة، فلا تصدّق رواياتها... بل راقب كيف تكتب تقاريرها، وكيف تمحو آثارها.

تعليقات
إرسال تعليق