كتبت سحر مهني
في مشهد أصبح مألوفًا يثير الذعر والقلق، تترنح عقارات الإسكندرية بين الماضي والحاضر، مهددة حياة قاطنيها بتحولها إلى "قنابل موقوتة" قد تنفجر في أي لحظة. آخر فصول هذا المسلسل المأساوي هو العقار المائل في منطقة محرم بك، والذي أعاد إلى الأذهان سلسلة الانهيارات التي شهدتها المدينة الساحلية، وكشفت عن أزمة عميقة تتطلب تدخلًا عاجلاً.
عقار محرم بك.. مشهد يتكرر:
أظهرت مقاطع فيديو متداولة ميلانًا واضحًا لعقار في منطقة محرم بك، مما أثار حالة من الهلع بين الأهالي، وأعاد تسليط الضوء على خطورة العقارات الآيلة للسقوط في الإسكندرية. هذا العقار، الذي يقع في حي وسط، لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة حوادث الانهيار التي باتت تؤرق سكان المدينة.
أرقام مفزعة وواقع مؤلم:
تؤكد الدراسات والتقارير أن الإسكندرية تضم آلاف العقارات المهددة بالانهيار. ففي غضون 16 شهرًا فقط، شهدت المدينة سقوط 43 عقارًا، وهناك تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 7 آلاف مبنى مهدد بالانهيار، بينما أكد محافظ الإسكندرية أن حوالي 24 ألف عقار في المحافظة "آيل للسقوط"، منهم 8 آلاف صدرت لهم قرارات إزالة كلية أو جزئية.
أسباب متعددة لأزمة متفاقمة:
تتعدد الأسباب وراء هذه الأزمة التي تحول عقارات الإسكندرية إلى مصادر خطر:
قدم المباني وتآكل الأساسات: أغلب العقارات المنهارة هي مبانٍ قديمة تعود لعشرات السنين، تعرضت للإهمال وغياب الصيانة الدورية، مما أدى إلى تآكل أساساتها وضعف بنيتها الإنشائية.
التغيرات المناخية وارتفاع منسوب البحر: تُعد الإسكندرية من المدن الأكثر عرضة لتأثيرات التغيرات المناخية، حيث يؤدي ارتفاع منسوب سطح البحر وتسرب المياه الجوفية إلى تآكل الأساسات وتدهور حالة المباني، خاصة تلك القريبة من الكورنيش.
البناء المخالف وغياب الرقابة: انتشار ظاهرة البناء المخالف دون الالتزام بالاشتراطات الهندسية وأصول البناء، واستخدام مواد رديئة، يساهم بشكل كبير في ضعف العقارات وزيادة قابليتها للانهيار.
تأخر تنفيذ قرارات الإزالة والترميم: على الرغم من صدور آلاف قرارات الإزالة والترميم للعقارات الخطرة، إلا أن تأخر أو عدم تنفيذ هذه القرارات، لأسباب متعددة منها رفض السكان مغادرة منازلهم لعدم وجود بدائل مناسبة، يزيد من تفاقم المشكلة.
الإهمال الإداري والفساد: يشير البعض إلى وجود إهمال إداري وضعف في الرقابة والتفتيش على المباني، بالإضافة إلى شبهات فساد تعرقل تطبيق القانون وتسمح باستمرار المخالفات.
دعوات للتحرك العاجل:
مع كل حادث انهيار، تتجدد الدعوات إلى ضرورة التحرك العاجل والجاد لوضع حد لهذه الكارثة. طالب نواب برلمانيون بضرورة التصدي لظاهرة البناء المخالف بحزم أكبر، وتنفيذ خطة شاملة لحصر جميع العقارات المائلة والآيلة للسقوط، ووضع أولويات للتعامل معها، سواء بالإزالة الكاملة أو الترميم المدروس، مع توفير بدائل سكنية آمنة للمواطنين المتضررين.
إن الإسكندرية، "عروس البحر الأبيض المتوسط"، تستحق أن تعيش في أمان واستقرار، بعيدًا عن شبح الانهيارات الذي بات يهدد أرواح قاطنيها ويشوه جمالها التاريخي.

تعليقات
إرسال تعليق