كتبت سحر مهني
تُعدّ قصة إيلي كوهين من أكثر قصص التجسس إثارةً وتعقيدًا في التاريخ الحديث، بل إنها أقرب إلى سيناريو فيلم هوليوودي منها إلى الواقع. هذا الجاسوس الإسرائيلي الذي نجح في التغلغل في أعلى مستويات السلطة السورية، وكاد أن يصل إلى منصب نائب وزير الدفاع، بل وأن يُصبح رئيسًا للجمهورية، يظل اسمه محفورًا في سجلات المخابرات العالمية كأحد أمهر العملاء وأكثرهم جرأة.
من مصر إلى الأرجنتين ثم دمشق: ميلاد "كامل أمين ثابت"
وُلد إيلياهو بن شاؤول كوهين في الإسكندرية بمصر عام 1924 لعائلة يهودية سورية. بعد العدوان الثلاثي عام 1956، هاجرت عائلته إلى إسرائيل، لكنه بقي في مصر حتى عام 1957. بعد ذلك، وصل إلى إسرائيل وانضم إلى جهاز الموساد، حيث خضع لتدريبات مكثفة أهّلته ليصبح عميلًا استثنائيًا.
تجسّدت أولى فصول قصته المذهلة في شخصية "كامل أمين ثابت"، رجل أعمال سوري ثري وعائد من الأرجنتين، حيث بنى شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والسياسية. بفضل تدريبه المتقن وقدرته الفائقة على تقمص الشخصيات، تمكن كوهين من إقناع الجميع بأنه مواطن سوري غيور على وطنه، يمتلك ثروة هائلة ومستعد لتقديمها في سبيل تقدم بلاده.
التغلغل في قمة الهرم السوري
في عام 1962، وصل "كامل أمين ثابت" إلى دمشق، وبدأ تدريجيًا في بناء شبكة علاقاته. كان يستخدم كرمه المبالغ فيه، وشخصيته الجذابة، وقدرته على استضافة الحفلات الصاخبة التي يحضرها كبار الشخصيات السورية من عسكريين وسياسيين ودبلوماسيين. سرعان ما أصبح بيته في دمشق مركزًا للتجمعات الاجتماعية، حيث كانت تُناقش أهم القضايا وتُتبادل أسرار الدولة على طبق من ذهب.
نجح كوهين في نسج خيوط علاقات قوية مع كبار المسؤولين، لدرجة أنه أصبح صديقًا مقربًا للعديد منهم، بمن فيهم ضباط في الجيش السوري ووزراء. لقد كان "كامل أمين ثابت" الشخص الذي يثق به الجميع، ويُدعى لحضور الاجتماعات الهامة، ويُقدم له الدعم في كل اتجاه. وصلت جرأته إلى حد زيارة الجبهة السورية في الجولان، وتقديم اقتراحات حول التحصينات العسكرية، والتي قُبلت بترحيب، مما مكنه من جمع معلومات استخباراتية حيوية لإسرائيل.
الأخطر من ذلك، أن طموح كوهين لم يتوقف عند جمع المعلومات. مع تزايد نفوذه، بدأت تُرشح أقاويل حول إمكانية وصوله إلى منصب نائب وزير الدفاع، بل وتحدث البعض عن كونه مرشحًا قويًا لرئاسة الجمهورية السورية في حال حدوث تغيير سياسي. كانت هذه هي ذروة تغلغله، ونقطة الخطر القصوى التي وصل إليها في مهمته.
السقوط المدوي والاعترافات الصادمة
في يناير 1965، انقطعت إشارات البث التي كان يرسلها كوهين إلى إسرائيل فجأة. كانت السلطات السورية قد بدأت في الشك فيه بعد رصد إشارات راديو غامضة تنطلق من منزله بشكل متكرر. باستخدام أجهزة تتبع متقدمة، تم تحديد مصدر الإشارات، وفي 24 يناير 1965، اقتحمت قوات الأمن السورية منزل "كامل أمين ثابت" ليجدوا إيلي كوهين متلبسًا بالخيانة.
بعد فترة من الاستجواب والتعذيب، اعترف كوهين بهويته الحقيقية وبمهامه التجسسية. صدمت هذه الحقيقة سوريا والعالم العربي بأكمله. لم يصدق أحد أن شخصًا بهذا النفوذ، وبهذه الثقة، يمكن أن يكون جاسوسًا للعدو.
النهاية المأساوية والإرث المستمر
حكم على إيلي كوهين بالإعدام شنقًا، ونفذ الحكم علنًا في ساحة المرجة بدمشق في 18 مايو 1965، ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه الخيانة. وحتى يومنا هذا، لا تزال إسرائيل تطالب باستعادة رفاته، لكن سوريا ترفض ذلك بشكل قاطع.
تُعد قصة إيلي كوهين شهادة على مدى براعة أجهزة المخابرات وقدرة الأفراد على تحقيق المستحيل، لكنها أيضًا قصة تُذكر بالخطر الذي يمكن أن يمثله التغلغل الاستخباراتي على أمن الدول. تبقى قصة كوهين محط اهتمام الباحثين والمؤرخين، وستظل تُروى للأجيال القادمة كنموذج فريد لجاسوس كاد أن يحكم دولة بأكملها.
هل ترغب في قراءة المزيد عن جانب معين من حياة إيلي كوهين أو تأثير قضيته؟

تعليقات
إرسال تعليق